ابن ميثم البحراني
317
شرح نهج البلاغة
لوجوب دخولها فيما يبلى وكونهما يقرّبان البعيد تنبيه مع ذلك على الحذر ممّا يستبعده أهل الغفلة من الموت والفناء في صحّة أبدانهم وسلامتهم في حياتهم الدنيا . العاشر : كونه تعالى قسم أرزاقهم كقوله « نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » ( 1 ) أي وهب لكلّ من الخلق ما كتب له في اللوح المحفوظ . الحادي عشر : كونه أحصى آثارهم . إلى قوله : من الأرحام والظهور : أي أحصى كلّ ذلك منهم بقلم القضاء الإلهي في الألواح المحفوظة وإليه الإشارة بقوله تعالى « وَالله يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ » وقوله « وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ والأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » ( 2 ) وقوله « يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ » ( 3 ) وقوله « وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » ( 4 ) وقوله : إلى أن تتناهى بهم الغايات : أي يعلم كلّ أحوالهم من حين ابتدائهم إلى أن يقف كلّ عند غايته المكتوبة له من خير أو شرّ . الثاني عشر : هو الَّذي اشتدّت نقمته على أعدائه في سعة رحمته واتّسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته وأشار بذلك إلى كمال ذاته بالنسبة إلى ملوك الدنيا مثلا فإنّ أحدهم في حالة غضبه على عدوّه لا يتّسع لرحمته ولا رحمة غيره ، وكذلك في حال رحمته لأوليائه لا يجتمع معها غضبه عليهم ، ولمّا ثبت أنّه تعالى هو الغنيّ المطلق المنزّه عن صفات المخلوقين وأنّه المعطى لكلّ قابل ما يستحقّه من غير توقّف في وجوده على أمر من ذاته وكان أعداء اللَّه مستعدّون ببعدهم عنه لقبول سخطه وشدّة نقمته في الآخرة لا جرم أولاهم ذلك وإن كانوا في الدنيا في سعة رحمته وشمول نعمته ، وكذلك أولياؤه لمّا استعدّوا لقبول رحمته وشمول نعمته أفاضها عليهم فهم في حضرة قدسه على غاية من البهجة والسعادة وضروب الكرامة وإن كانوا بأجسادهم في ضروب من العذاب وشقاوة الفقر والضنك في الدنيا ، وذلك لا يملكه إلَّا حليم لا يشغله غضب عن رحمته ، عدل حكيم لا تمنعه رحمته عن إنزال عقوبته سبحانه ليس إلَّا هو .
--> ( 1 ) 43 - 31 ( 2 ) 27 - 77 ( 3 ) 40 - 20 ( 4 ) 11 - 7